المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة الكوخ المهجور الحلقة الثالثة(3)


الهادية
10-07-2005, 11:17 PM
أطرقت رأسي متألما فتخيلت منظر تلك الفتاه الضعيفة وهي تستنجد ولا تجد من يغيثها فاغرورقت عيناى بدموع الحزن عليها وهي التي قدر لها أن تموت على أيدي بعض الأشرار من بني الإنسان وبمثل هذه الصورة الوحشية الفظيعة . ثم التفت إلى هدى لاجدها وقد اخفت وجهها بين راحتيها فوجهت الكلام لها : مسكينة هدى …. لا بد وأنها ماتت من شدة الخوف . فقال الحقيقة ان هدى كانت نائمة داخل الشاليه في تلك اللحظة … كنت اجلس وحدي خارجا استمتع بسحر البحر الساكن في ليلة بلغ القمر فيها كماله . ثم سكت درويش قليلا وبدا وكأنه استرد هدوئه ثم تابع حديثة : وبعد أن أوصدوا الباب ورائهم قمت من مكاني بهدوء وحذر شديدين و أيقظت زوجتي من النوم و أخبرتها بما جرى عند ذلك الشاليه ز ثم تسللنا إلى السيارة ورجعنا إلى المنزل دون أن يشعر بنا أحد .

فقلت دون أن يشعر أحد بالجريمة أيضا ؟ وأين كان آل العبد اللطيف وال الداوود وغيرهم في هذا الوقت ؟

ورد على أسفا

جميع الشاليهات الواقعة في ضفتنا و الضفة المقابلة كانت خالية من أصحابهافيما عدا الشاليه الذي وقعت فيه الجريمة . وهنا رفعت هدى وجهها عن راحتيها وقالت بصوت خافت حزين : اعتقد انه وجب علينا الان أننبلغ الشرطة يا درويش و أثنيت على

كلامها مؤكدا : هيا بنا يا درويش….. لنذهب إلى المخفر ونخبر الشرطة بما حدث . كانت الساعة تشير إلى الثالثة والنصف حينما انطلقت بنا سيارة النجدة ومن ورائنا ثلاث سيارات أخرى تكدس فيها رجال الأمن وتتبعها سيارة إسعاف . ولما كانت الشوارع خالية تقريبا من السيارات فلم تعد هناك حاجة لان تطلق سيارات الشرطة صفاراتها ومضت ساعة وربع الساعة ونحن نسير جنوبا بسرعة هائلة في طريق صحراوي مرصوف . وظهر الفجر ينسج خيوطه البيضاء في السماء . وانحدرنا بعد ذلك شرقا في طريق متعرج وشاهدنا السماء وقد أخذت تتلون باللون البرتقالي المشوب بالاحمرار وخلف تلك السحابة الملونة بدأت الشمس تطل برأسها وبرزت الشاليهات من أمام البحر كنقاط بيضاء وسوداء صغيرة يلتصق بعضها ببعض في مكان وينفرد بعضها عن بعض في مكان أخر وتمتد بموازاة الشاطئ تارة وتنحني بانحناءة تارة أخرى وكانت تظهر من أمامنا واضحة حينما تصعد السيارة مرتفعا وتختفي حينما تنزل منخفضا ثم تعود لتظهر من جديد ولبثنا على هذه الحال حتى اقتربنا من طرف لسان البحر المتوغل في الصحراء فانحرفنا يسارا وانطلقنا بمحاذاة ساحل ذلك اللسان فترة قصير بعدها وقفت السيارات بأمر من رئيس الشرطة . نزلنا جميعا في مكان واحد ثم أمر الضابط رجالة بالانتشار بسياراتهم في الصحراء والانقضاض في أن واحد على الشاليه الجاثم في الصحراء فأطلقت سيارات النجدة صفاراتها المدوية وانحرفت ذات اليمين وذات الشمال وهدفها الشاليه وارتفع الغبار عاليا في الجو . وفي اقل من لمح البصر كان الجميع يحيطون به فاندفع الضابط المسئول وما أن وصل الضابط إلى الباب حتى ركله ركلة قوية انفتح على أثرها في الحال وقبل أن يهم بالدخول فتح زناد مسدسة واندفع إلى الداخل بسرعة فائقة وتبعة بعد ذلك نفر من رجاله ولم تمضي دقائق معدودة حتى خرج الضابط من الشاليه ووقف أمام الباب و ألقى بصرة نحو درويش متفحصا ثم ناداه بصوت غاضب : هل أنت متأكد بان الجريمة وقعت في

هذا المكان ؟ و أدار درويش رأسه نحو الضفة الأخرى من الشاطئ ليرى الشاليه الخاص به وقف ساكنا على ساحلة ثم دار وجهه نحو الضابط وهز رأسه موافقا وقال : نعم لقد وقعت الجريمة هنا . وسار بضع خطوات نحو الساحل ثم وقف مؤشرا نحو نقطة على الأرض . وفي هذا المكان بالضبط …. صاح به الضابط بعد أن اشتد غضبة وغيظه :

ولكنني لا أرى أي اثر للجريمة ولا حتى نقطة دم ….. ولا اثر لايه قدم سوى أثار قدميك .

فالتفت درويش نحو اليمين ونحو اليسار واطمأن لوجود شاليهات ال الداوود وال العبد اللطيف ثم نظر إلى الشاليه المقابل واندفع بسرعة فافسح له الضابط طريقة عند الباب وما كاد يختفي داخلة حتى تبعته أنا الأخر مشيعا بنظرات الضابط الساخط الذي همس لي :

أظن أن صاحبك هذا به مس من الجنون . نظرت إلية فرأيت شرر الغضب ينطلق عينيه . كان الشاليه خاليا من كل شيء إلا من صاحبي الذي اخذ يدور بداخلة كالمعتوه وينبش برجلة رمال الأرض وخيل الي وأنا أتطلع بان أصحاب ذلك الشاليه قد هجروه منذ سنين طويلة فلقد تراكمت أكوام الرمل في أنحاء مختلفة من أرضيته وطلت بعض علب الأكل المعدنية التي نخرها الصدأ برؤوسها من بين الرمال . وتمزقت الصفائح الحديدية التي كانت تغطي سقفه المهلهل وتدفق النور من خلال شقوقها . وبدأت

الجدران الخشبية هشة متآكلة ومبتورة وسمعت صوت الريح يندفع من خلال شقوق تلك الجدران الخشبية لتحدث صفيرا يشبه طنين النحل وظهرت على الحائط القريب من الباب قطعة خشب مقوى باليه ثبتت بالمسامير لتستر نافذة الشاليه.

نظرت إلى وجه صاحبي درويش فرأيت الحيرة تقطع ملامحه وبدا وجهه شاحبا من الخجل . ثم رماني بنظرة ملؤها الحيرة وتردد قليلا ثم قال :

عجيب أمر هذا الشاليه ….لقد رأيت نورا خافتا ينبعث من نافذته الليلة الماضية وسمعت دقات الطبول المتطايرة من جوفة ورأيت الفتاة تنطلق مسرعة إلى الخارج ليتبعها أولئك الرجال وينهالوا عليها ضربا بالسكاكين .

رفعت بصري نحو إحدى الصفائح الحديدية في السقف حيث أخذت تهتز بفعل ريح قوية مرت عليها . ثم قلت بشيء من اللا مبالاة : ولكن يبدو لي بان هذا ليس شاليه بالمعنى الذي نعرفة … وكأنه كوخ قديم استخدمه بعض صيادي السمك لاستراحتهم .

وخرج درويش من الكوخ مسرعا واتجه نحو الضابط الذي راح يتجول قريبا من الماء .

اقتربت من أحد الشقوق بالحائط وقذفت بصري من خلاله إلى خارج الكوخ فرأيت لسان البحر يمتد عبر الصحراء قليلا ليختفي بعدها خلف الشاليهات المنتشرة على شاطئه . ولمحت رجال الشرطة مجتمعين حول إحدى السيارات التي ما انفكت تبث مكالماتها اللاسلكية المتقطعة وعلى الساحل رأيت الضابط وقد دخل في مشادة كلامية مع درويش وظهر صاحبي صغيرا أمام ذلك الضابط . فكأنه يؤشر باصبعة نحو اليمين وأخرى نحو الشمال ومرة ثالثة نحو الشاليه الخاص به محاولا إقناع الضابط العنيد بما شاهده الليلة الماضية بينما بقى الضابط يستمع غير مبال بثرثرة درويش .

وبعد قليل انطلقت سيارات الشرطة وراحت تستطلع الشاليهات القريبة والبعيدة من الكوخ ورأيت صاحبي يبتعد عن الضابط ويتقدم مرة أخرى نحو الكوخ وخرجت استقبلة في منتصف الطريق وبدا الإرهاق واضحا على محياة وما أن التقينا حتى بادرني على الفور قائلا :

حاولت بشتى الطرق أن اقنع الضابط بما شاهدته الليلة الماضية ولكنه كان يسخر مني في كل مرة .وأجبته وكأنني أريد أن أرد إليه وعيه:

استمع إلي جيدا يا درويش …. ودعنا نكون صريحين في الأمر …أنت تعرف ان رجال الشرطة لا تخفي عليهم خافية فعند حدوث ايه جريمة تراهم يشمون رائحتها من بعيد حتى ولو أزيلت آثارها تماما فها نحن الان نقف أمام كوخ مهجور لم يطأه إنسان منذ مدة فتراكمت فيه أكوام الرمل وتمزقت اخشابة وصدأ الحديد الذي يغطي سقفه وبعضا من جوانبه ثم انك أخبرتني قبل قليل بأنك شاهدت نورا كان ينبعث من نافذته . لقد فحصت النافذة فاكتشفت أنها سدت من زمن طويل ….وهاهو الشاطئ الذي لم يمتد إليه الماء بعد فلا يوجد أي اثر للدم على رماله الساكنة بل ولا يوجد عليه سوى أثار أقدامنا وأقدام الشرطة…

وقطع درويش حديثي وأشار إلى مكان الجريمة حيث تكومت بعض الصخور الصماء الكبيرة حول بعضها وقال : كل الذي تقوله صحيح وأقسم لك بأعز ما املك بأنني شاهدت جريمة قتل وقعت في تلك البقعة.

ورددت عليه بصوت خافت وحزين : أعتقد أنك كنت تحلم الليلة الماضية .فرد درويش بنبرة ملؤها الأسف : لقد اعتقد الضابط ذلك أيضا.

ترك الضابط مكانه على الساحل واخذ يسير نحو سيارته بينما جلس سائقة ينتظره بداخلها وما أن اقترب من الصخور الجاثمة على الرمال حتى وقف متأملا ثم نظر إلى الشاليه الخاص بصاحبي في الضفة الأخرى ونقل بصره بعد ذلك صوب الكوخ ثم أطلق ضحكة عالية وقال موجها كلامه إلى :

اعتقد أن صاحبك هذا كان يتخيل القصة التي ذكرها … انظر إلى هذه الصخور المتراكمة حول بعضها أنها تقع في منتصف الطريق بين الكوخ والشاليه الذي يمتلكه …. المسالة أصبحت واضحة فبينما كان يجلس في الظلام مسترخيا في مكانه هناك لمح وكان هذه الصخور تهتز وتتحرك في مكانها فاخذ في نسج جريمة وهمية ….وهذا كل ما في الأمر

وضحك الضابط مرة أخرى وهز رأسه مشفقا على صاحبي . و أجاب درويش بلهجة ملؤها التحدي : ولكنني لم اكن اجلس في الظلام . لقد كان القمر بدرا كاملا و أضاء البحر ومن حوله الصحراء …. ولم أتخيل أي شيء يا حضرة الضابط .

فرد عليه الضابط غاضبا كفى ما سمعته منك اليوم .

ورجعت السيارات الأخرى من جولتها الاستطلاعية وجاء أمر الضابط بالرجوع .

قطعنا المسافة الطويلة إلى المدينة وسط جو من الصمت المطبق يتخلله ضحكات الضابط المشفقة والمستهزئة . وقبل أن نصل إلى منزل درويش أدار الضابط برأسه نحو الخلف حيث كنا نجلس وخاطبة قائلا :

لا تنسى أن تمر علينا في القسم وفي اقرب فرصة ممكنة للتحقيق في أمرك .

وضحكت في نفسي لهذا التعليق اللاذع بينما بقى صاحبي متجهما .

مرت شهور طويلة وتغير حال درويش فلم يعد يهتم بمسئوليته تجاه بيته وزوجته وكان يقضي الليالي الطويلة خارج المنزل . بل كان يتغيب عن منزلة أياما متتالية . وزهقت زوجته من هذا التحول فدارت المشاجرات الكثيرة بينهما وطلبت مني التدخل في الأمر مرارا وتكرارا . وحاولت بكل ما أعطاني الله من قوة أن أعيد المياه إلى مجاريها واصلح الحال بينهما ولكن محاولاتي جميعا باءت بالفشل . وبلغ الأمر ذروته حينما تم الطلاق بين الزوجين ….

عرفت أن صاحبي اتخذ من الشاليه الخاص به مسكنا . واخبرني أصحابه في الشركة التي يعمل بها بأنه لم يعد ذلك الرجل الذي كانت تدب فيه الحيوية والنشاط وتميز بالانطواء واللامبالاة وبات يتأخر كثيرا عن العمل ولم يعد رئيسه يطيق الخمول الذي أصابه حتى قرر أن يعفيه من المنصب الذي كان يشغله.

azizdoha
16-07-2005, 11:50 PM
انتضر الحلقه الرابعة

وانه متشوق للحلقه لان القصه في منتهى الروعه

الهادية
17-07-2005, 12:07 AM
هلا عزيز الدوحة
القصة قلت لك حلوة
الحلقة الاخيرة موجودة تحت
اعطر التحايا