المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة الكوخ المهجور الحلقة الرابعة(4)


الهادية
10-07-2005, 11:19 PM
وعصر ذات يوم قررت أن ازور درويش في الشاليه الذي كان يقطنه في منطقة الخيران الساحلية وما أن وصلت هناك حتى وجدت صاحبي يجلس على صخرة وقد أعطى ظهرة للشاليه وانكب يتفرس في الكوخ الجاثم على الضفة الأخرى من لسان البحر …رأيت وجهه وقد اصفر لونه من السهر وقلة الأكل و أطلق لحيته . فدنوت منه قليلا ألقيت عليه التحية ….ومرت فترة غير يسيرة وصاحبي يتأمل ذلك الكوخ ثم أدار رأسه صوبي ورماني بنظرة كئيبة استنتجت من خلالها وكان صاحبي قد امتلكته الأرواح الشريرة ولم يقو على التخلص منها ثم أدار رأسه مرة أخرى إلى الكوخ وراح يحدق فيه من جديد. جلست بالقرب من درويش ورحت اشاركة الصمت والتمعن في ذلك الكوخ المشئوم . وظهر شريط البحر الذي فصل بيننا وبينه وديعا وصافيا كالمرآة وانعكست ظلال الشاليهات المقابلة على صفحة المياه القريبة منها . ولقد لفت نظري بين حين و أخر اسماك صغيرة تنطلق خارجة من الماء وتعود لتقذف بنفسها فيه محدثه بعض الموجات الدائرية التي تأخذ في الاتساع رويدا رويدا حتى تتلاشى ويعود صفو الماء من جديد …. وظهرت السماء جميلة في الأفق وراحت الشمس بلونها الأحمر الناعم تودع عنان السماء . وبينما اخذ صاحبي يتأمل كوخه المفضل رحت أنا انتقل ببصري متأملا خفايا تلك الطبيعة الخلابة التي لا يعيرها الكثير من الناس الاهتمام الوافي …فالهدوء المنتشر في الجو . والبحر وسكونه والسماء في الأفق وقد اخضبت خدها باللون الأحمر الجميل وظلال الشاليهات المنعكسة على سطح الماء ، والكوخ العجوز ، والسلام القابع في النفوس …ومر سرب من الطيور يطير عاليا في السماء ويتجه نحو ذلك

الأفق الأحمر فخيل الي وكأنها تتسارع فرحة للوصول إلى تلك السحابة قبل أن تختفي علها تلون ريشها ببعض من ألوانها . وفي غمرة هذه النشوة سمعت صاحبي يقول : هل تعتقد بالأشباح ؟ وقع السؤال على مسامعي ثقيلا ومؤلما . وجاء مؤكدا على صحة ظني بأنه أسير للأرواح ونظرت إليه لاجده وقد استرسل محملقا في ذلك الكوخ .

قلت نعم أنا اعتقد بوجود الأشباح وعن كل ما يقال عنها . وجاء جوابي هذا مفتاحا لصندوق الأسرار الذي حمله في وجدانه طوال الأشهر الماضية . و أخذت أساريره تنفرج قليلا لترسم على وجهه علامات الرضا والارتياح . وتنهد قليلا لكن وجد من يشاركه الهموم التي جثمت على صدره.

وتابعت حديثي قائلا : لقد قرأت الكثير عن الأشباح في الكتب . وسمعت القصص العديدة عن خروجها في ظلمات الليالي حتى أن معظم الناس باتوا يؤمنون بوجودها ولا أستطيع إنكار ما يقوله بعض هؤلاء الناس . والتفت درويش نحوي ثم سألني :

ماذا قالوا عنها ؟ قالوا إن الأشباح ما هي إلا أرواح اناس ماتوا ميتة مخيفة غير متوقعة فمنهم من قتل ومنهم من سقط عليه جدار أو سقف ومنهم من وقع في بئر عميق ومات على الفور ومنهم من مات محترقا ومنهم من دفن حيا وهكذا ، وقسم الناس تلك الأشباح إلى شريرة مؤذية في جانب ووديعة مسالمة في جانب أخر وبينما بقيت الأرواح الشريرة تحوم حول موقع الحدث الذي أصابها وتظهر بين الحين والحين لتثير الرعب في قلوب البشر وراحت الأرواح المسالمة تسكن الأماكن البعيدة المهجورة كي تتجنب لقاءهم .

ولفت نظري سرطان بحري يدب على رمال الشاطئ ، ويتجه نحو الماء ، ولم تمضي ثوان حتى اختفى في جوف الماء وغاب عن ناظري ثم تابعت حديثي بعد ان وجهت بصري نحو الشاليهات المتناثرة هنا وهناك :

ولم لا …. فقد تكون هذه الشاليهات هي المكان المناسب للأرواح ….ألا ترى يا درويش إنها مهجورة تماما …ولا يؤمها أصحابها إلا مرة أو مرتين في السنة فتبقى طوال فترة الهجران تنتظر من يتجول بداخلها لأنها لم تصمم لكي تكون فارغة ….فغرفها تشتاق لمن ينام ويجلس فيها ومطابخها تحتاج لمن يقوم بطهي الطعام فيها وساحاتها تهوى من يروح ويغدو في أرجائها وهاهي الأشباح تتكاثر يوما بعد يوم بفعل ازدياد جرائم القتل واغتصاب الأنفس البريئة وبفعل الحروب البشرية الدائمة التي تزهق فيها أرواح تعطشت للعيش بسلام و أصبحت هذه الأرواح بحاجة إلى مكان تعيش فيه وها هي الشاليهات وقد فتحت قلوبها لاستقبال ساكنيها منهم .

ونظرت بعيدا لاجد الشمس وقد غاصت في الأفق تاركة أثارها الحمراء للطيور التي مرت في السماء قبل قليل . و أكملت حديثي .لقد سمعت حكايات كثيرة عن الشاليهات المهجورة في الكويت …أتذكر قصة …. وهنا قطع درويش حديثي وسألني بلهجة صارمة وغير متوقعة :

هل تخاف من الأشباح يا محمود ؟

ونظرت إليه فوجدته يتفحصني بعينيه الثاقبتين واخذ يغرس أصابع يده في شعر لحيته الكثيفة وخيل إلى وكأنه اطمأن لكلامي وعادت الثقة تراود ملامحه وضحكت من سؤاله وترددت في الإجابة عليه واخيرا قلت له :

كل إنسان يخاف من الأشباح يا درويش لانه يتوقع دائما أن يشاهد شيئا مخيفا للغاية ، شيئا لم يخطر على باله من قبل ….هيكلا عظميا مثلا ينتقل ببطء وتؤدة ويدنو قليلا قليلا ويمد ذراعيه العظميتين ليلفهما حول فريسته ويبدا في قضم رقبته بأسنانه المتراصة في فم عظمي أجوف أو إنسانا براس مقطوع يمشي متثاقلا وقد حمل رأسه بيده أو جسما يتكون من راس ورجلين فقط ويجري مسرعا ليختفي بين الخرائب . وما شابه ذلك من الأشياء .

ونظرت إلى درويش وهززت رأسي مخالفا وقلت :

وعلى أية حال اطمئن فأنني لا أخاف الأشباح ….بل ساكون فرحا حينما أشاهد مثل هذه الخوارق الطبيعية يوما ما . ولكن درويش لم يقتنع بكلامي وتحدث إلى بلهجة مشوبة بالإصرار : أن المساله ليست لعبة أو إثارة كما تعتقد يا محمود …فإذا كنت في شك فيما أقول فإنني اطلب منك أن تعود من حيث أتيت …. وفي الحال . واستغربت من كلام صاحبي هذا …لم اكن أتوقع منه هذه الأسئلة المفاجأة التي بدأ يلقيها على منذ اللحظة التي وصلت فيها و أجبته بشيء من الثبات والتحدي : قلت لك إنني لا أخاف الأشباح والأرواح يا درويش . ونظر الي درويش نظرة صامته مطمئنة وقال : أذن أدنو مني قليلا و أمعن النظر في ذلك الكوخ …واستعد لمواجهة الأشباح …الخوارق الطبيعية كما تقول …أنصحك يا محمود أن تجلس ساكنا في مكانك …ولا تخف …اكبح جماح نفسك عند ظهورها …ولا تنفعل . قيد حركتك إلى أقصي ما تستطيع …امتنع عن الكلام واضبط رفرفة رموش عينيك وحتى دقات قلبك .

نزلت تلك النصائح ثقيلة على نفسي كما تنزل الصواعق على سفينة هامت على وجهها في عرض البحر ووقفت تحت رحمة الأمواج المتلاطمة …لقد وقعت تحت رحمة أوهام صاحبي …وانتابني القلق والخوف أول الأمر وتمسكت ببارقة رفيعة من الشجاعة بقيت في أغوار وجداني …فشعرت من خلال تلك الشجاعة المتبقية بأنني وجب علي مواجهه أسوا الظروف حتى ولو صدق صاحبي بظهور الأشباح من عالم الخفاء إلى عالم الوجود .. وبدت الإثارة تغلي في عروقي ..

أرسل القمر اشعتة الفضية لتنير الصحراء . وظهر شريط البحر من أمامنا لامعا كالسيف ومن ورائه ارتمى ذلك الكوخ وديعا بين أحضان الرمال البيضاء وساد في أرجاء الصحراء صمت رهيب ونامت الشاليهات المهجورة في غياهب ذلك الصمت …. وفجأة شاهدت باب الكوخ ينفرج قليلا ليتدفق نور القمر وليضي مدخل الكوخ واطل أحدهم براسة من الباب وتجسد ذلك الرأس واضحا في ضوء القمر ورأيت الشعر يتدلى طويلا وغزيرا من على جانبية حتى كاد يلامس رمال الأرض …ولاول وهلة عرفت أنها فتاة بيضاء ناصعة …فأدارت تلك الفتاة رأسها ذات اليمين وذات الشمال وكأنها تريد التأكد من خلو الشاطئ من الناس …ثم خرجت من الكوخ وحامت في الجو قليلا ثم انطلقت بخفة ورشاقة نحو البحر . وخيل الي كأنها جنية تسبح في الفضاء ثم تنزل خفيفا لتلامس بأصابع قدميها رمال الشاطئ . و أحسست بشعر رأسي يقف كالشوك . وسرت في أعماقي قشعريرة سريعة لاذعة . وتلتها أخرى ثم ثالثه ورابعة وصار جسدي ينتفض من توالي القشعريرات المزعجة التي راحت تمحو الخوف من جسمي . لقد كانت الفتاة رشيقة حقا . رشيقة في جسدها في صدرها الممتلئ وخصرها النحيف وثوبها الأبيض الفضفاض ..وصارت تنتقل من مكان إلى أخر بكل خفة ووقار ورأيت شعرها الجميل وثوبها الأبيض الرقيق يطير من خلفها حينما تعتلي في الجو ويرجع ينساب على جسدها حينما تلامس قدماها رمال الشاطئ . واقتربت الفتاة الجنية من الماء وانحنت لتدس بيديها فيه وتخرج شيا لتضمة إلى صدرها وتحنو عليه برأسها كما تفعل الام بوليدها الحبيب . ولم تمضي فترة طويلة حتى أودعت الجنية ذلك الشيء بلطف في مكانه داخل الماء …ثم رفعت رأسها نحو السماء وتمعنت في ذلك القمر برهة وانحدرت بعد ذلك في الماء وظلت تتوغل بداخلة حتى اختفى كل جسدها فيما عدا ذلك الرأس الجميل وبقي الماء راكدا وكان شيا لم يسلبه هدوءه واستقراره وصارت تسبح دون أن تحرك من المياه حولها . فكانت تقطع الماء كما يقطع الموس قطعة من الجيلاتين الشفاف .

ولفت نظري ضوء خافت ينبعث من داخل الكوخ ويشتد وميضه تدريجيا وشاهدت ظلالا تروح وتغدو أمام نافذته التي ما عادت مغلقة وخيل الي بان الكوخ باكملة اتخذ رونقا جديدا فظهرت صفائح الحديد التي تغطي سقفة وجوانبه براقة تعكس أشعة القمر المتلالا واختفى ذلك الباب الخشبي العتيق ليحل محله باب جديد لامع وظهرت النافذة الصغيرة بجانبه وقد أحاط بها إطار خشبي أنيق . وبين الحين والحين كنت أرى ظلالا تطل من تلك النافذة على الجنية الجميلة التي كانت تنعم بالعوم ثم تعود هذه الظلال لتختفي في الكوخ . ولم تمضي فترة طويلة حتى سمعت دقات الدفوف تخرج من الكوخ وتعلو في الجو .

وما كادت الجنية تسمع تلك الدقات حتى خرجت مسرعة من الماء واتجهت نحو الكوخ بنفس الرشاقة التي أتت بها وصار ثوبها يرفرف في الهواء وشعرها ينساب طائرا ، وخيل الي وكأنها لم تبل بقطرة واحدة من ذلك الماء ثم اختفت داخل الكوخ واغلق الباب من ورائها .

ظلت الدفوف تبعث أنغاما شجية في السماء . ورأيت من خلال النافذة ظلالا تتلوى على وقع تلك الدفوف ولمحت ظل الجنية يرقص وسط تلك الظلال . واستمر الحال مدة طويلة من الزمن بعدها توقفت الدفوف فجأة وساد الصمت … و انطفا النور الذي كان يضيء الكوخ وفتح الباب سريعا وانطلقت الجنية نحو الشاطئ تصرخ مستغيثة وخرج من ورائها أربعة من الرجال وقد حمل كل منهم سكينته بيده وتعثرت الجنية عند تلك الصخور الصماء فسقطت على الأرض و هوى الجميع بسكاكينهم الحادة يمزقون جسدها . ومن هول الجريمة النكراء التي شاهدتها فقد أطلقت صرخة دوى صدها أرجاء الصحراء فلم اعد أتذكر شيئا بعد ذلك .

azizdoha
20-07-2005, 01:21 AM
الهادية شكرا علي القصه الصراحه اعجبتني وايد
تحياتي لج

azizdoha
مشرف مجلس الغرائب والعجائب

الهادية
20-07-2005, 05:02 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عزيز الدوحة

تحياتي لك خالصة