الهادية
10-07-2005, 11:20 PM
فتحت عيني لارى درويش وقد جلس بجانبي على الفراش . ورأيت الشمس تقذف بأشعتها الدافئة من خلال نافذة الشاليه وعندما أحس بان الحياة بدأت تدب في جسدي من جديد بادرني بقوله : أظنك الان وبعد ما شاهدته الليلة الماضية لم تعد تظنني مجنونا . وتحركت في الحال لانكمش جالسا في الفراش و سألته ولا زال الخوف يقطع اوصالي : أصحيح ما شاهدته أم ترى إنني كنت احلم ؟ وضحك صاحبي قليلا ثم قال : كل الذي شاهدته يا محمود كان صحيحا . واخذ يمسح بيده على لحيته و أطلق ضحكة طويلة ثم استرسل يقول : لقد أفزعتني بصرختك الليلة الماضية . واعتقد انك أفزعت الأشباح كذلك .ونهض من مكانه واتجه نحو الباب وهو يقول :
أظن أننا بحاجة إلى أن نشرب الشاي …ابق أنت في فراشك وسأذهب لاعده بنفسي .نظرت من شباك الشاليه لارى الكوخ العجوز يجثم على رمال الشاطئ في الضفة الأخرى ومن أمامه ظهرت الصخور الصماء وقد تكدست حول بعضها …وجلست فترة طويلة أتفرس في باب الكوخ علني أرى تلك الجنية الجميلة مرة أخرى …دخل صاحبي وقد حمل صينية عليها قليل من البسكويت وكوبان من الشاي وسر حينما راني اطل من الشباك نحو الكوخ . فقال وهو يضع الصينية على الفراش . لقد أصابتك الهستيريا الليلة الماضية يا محمود …وسهرت ابلل الخرق وامسح بها على وجهك .
ثم نظرت إليه وسألته متلهفا : اخبرني بالله عليك هل تتكررالماساة في كل ليلة؟ لا يا محمود …إنها تتكرر ثلاث ليال في كل شهر قمري وبالتحديد فان تلك الأشباح تظهر في الليلة الثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة من الشهر القمري ، حينما يرتفع القمر .
وقطعت كلامه في الحال : الثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة من الشهر القمري …انتظر ..لكن اليوم هو الرابع عشر من شهر رجب . فمعنى ذلك أنها ستظهر حتما هذه الليلة كذلك
ورد درويش وهو يبتسم : نعم يا محمود . وهل ستعقد العزم على المكوث معي هذه الليلة ؟ وصرخت في وجهه غاضبا وقلت له :
كلا يا درويش ألا ترى أن الفتاة المسكينة تتعذب ثلاث مرات في الشهر الواحد ؟ وتحسر صاحبي وغير مجرى الحديث وقال بصوت هادئ :
أتذكر يا محمود ذلك اليوم الذي جاء فيه رجال الأمن يبحثون عن الجثة المزعومة ورجعوا بعد أن خابت آمالهم .؟ لقد شعرت وقتها بذنب لم اغفره لنفسي حتى أتحقق من أمري…. لم اكن واهما ولا حالما وعدت إلى الشاليه وصرت اجلس الساعات الطويلة أراقب ذلك الكوخ من هذا المكان حتى جاء اليوم الثالث عشر من أيام أحد الأشهر القمرية ورأيت كل شيء يتكرر أمام ناظري ثم تلاه اليوم الرابع والخامس عشر ليعود الحدث من جديد وتأتى الأيام التالية ويختفي فيه كل شيء ويبقى الكوخ ساكنا .
وسالت درويش بشيء من الدهشة : ولكن لم يلفت المشهد الإجرامي هذا نظر أحد غيرنا . وهناك الكثيرون من
الأهالي الذين يامون شاليهاتهم في بعض الليالي المقمرة ؟
اعتقد إن كلامك هذا فيه شيء من الصحة يا محمود لأنني منذ لازمت هذا المكان تبين أن أصحاب الشاليهات لا يتوافدون إليها إلا في بعض أيام الخميس والجمع …. وفي ليلة مقمرة واحدة فقط شاهدت بعض النسوة من شاليهات آل العبد اللطيف يطفن على الساحل من أمام ذلك الكوخ في نفس الوقت الذي كانت فيه الجنيه تنطلق بخفة ورشاقة نحو البحر وخرجت من وسطهن دون أن يراها أي من النسوة وفي أثناء ذلك الوقت كذلك كانت أصوات الدفوف تعتلي في السماء إلا أن النسوة لم تبد للأمر أي اهتمام لأنها لم تكن تسمع شيئا . وتناول صاحبي قطة من البسكويت ودسها في كوب الشاي ثم قضم جزءا منها وتابع حديثه: ولا اخفي عليك يا محمود بان النسوة جلسن يتسامرن في مكان قريب من مكان الجريمة وخرجت الفتاة الجنية من الماء وطافت من أمامهن دون أن تشعر بها واحدة منهن . ومكثت النسوة قرب الشاطئ مدة من الزمن بينما كان الرقص على اشده في الكوخ وتمت الجريمة النكراء على مقربة منهن ولكن الغشاوة كانت تستر عيونهن على الدوام .
وحينما سمعت هذا الكلام قمت من مكاني فجأة و أمسكت بيد درويش ورحت اعصر اصابعة على راحة يده وصحت به قائلا : ألا ترى أن الفتاه تستنجد بك يا درويش …بل أنها تستنجد بنا نحن الاثنين وإلا لم باتت تخرج من أمامك في كل مرة …ولم حجبت الرؤية بينها وبين تلك النسوة أو الناس الآخرين ….إنها تستغيث بنا يا درويش فلا ادري كيف نزلت بك إنسانيتك لتستلذ بطعم جريمة راحت ضحيتها فتاة مسكينه وكيف تطيق الجلوس متفرجا عليها …. إنها في حاجة ماسة إلينا يا درويش .
ورد علي درويش بشيء من الشك والحيرة:
ولكن كيف ! واجبتة بلهجة عصبية ويدي ما زالت تطبق على اصابعة . ثم أشرت نحو الكوخ الذي ظهر واضحا من خلال زجاج نافذة الشاليه :
أتعلم يا درويش بأنني بدأت اعتقد أن هناك جريمة قتل حقيقية وقعت في ذلك الكوخ وراحت ضحيتها تلك الفتاة وفي ليلة مقمرة بالذات . ولقد شاهدنا تفاصيل الجريمة كما وقعت فعلا …ولكن بقي شيء واحد يا درويش . ونظر إلى درويش بعد أن ازداد عجبه وحيرته وقال : ماذا بقي يا محمود ؟
بقى أن نبحث عن الجثة . واعتقد أنها ما زالت مدفونة في ذلك الكوخ . وتفوه درويش ببطء وبشيء من عدم الراحة :
أتقصد ……وقطعت كلامة في الحال :
نعم اقصد أن الفتاة مدفونة وروحها ما زالت تحوم حول الجثة . فتريد هذه الروح أن تنطلق ولكنها باتت مقيدة في الوقت الحاضر .
وسكت قليلا ثم خاطبته بهدوء ورفق :
انظر يا درويش …لقد قرأت وكما تعلم الكثير عن الأرواح والأشباح وعلمت بان الروح التي أزهقت عمدا لا تفارق مكان الجثة حتى تغتسل الجثة هذه ويصلى عليها ثم تدفن كالمعتاد …. أؤكد لك يا صديقي بان الجثة ما زالت مدفونة في الكوخ وما علينا إلا أن ننبش رمال ارضيتة حتى نعثر عليها .
وسحبت صاحبي وقلت له وأنا في عجلة من أمري .
لانتظر إلي هكذا يا درويش ….هيا بنا …. وانطلقنا خارج الشاليه نبحث عن بعض أدوات الحفر .
تجولنا في الكوخ بضع ثوان وقررنا بعد ذلك أن نبدا الحفر في منتصف ارضيتة …ساد الصمت بيننا ولم نكد نسمع سوى صوت أدوات الحفر وهي تنغرس في الرمال وتخرج لتقذف بها بعيدا . وبعد مده حفرنا حفرة كبيرة في وسط الكوخ ورحنا ننبش قاعها وجوانبها ولم تمضي فترة طويلة حتى أحسست وكان الأداة تصطدم بشيء صلب داخل الرمال فألقيت الأداة خارج الحفرة ورحت انبش بيدي حول ذلك الشيء باهتمام وحذر . فتكشف عن عظمة بيضاء و أخبرت درويش بالأمر فجاء يزيح الرمال معي لنكشف عن المزيد من العظام المتراصة واستطعنا بعد جهد جهيد إزاحة الرمل كليه وظهرت أمامنا جثة إنسان . ونظرت إليها فرأيت الجلد يلتصق بالعظم في بعض أجزائها بينما بقيت أجزاء أخرى منها هيكلا عظميا ابيضا ، وفي منطقة الرأس شاهدنا كومة غزيرة من الشعر يتدلى من على قمة الجمجمة وينساب إلى أسفلها لتختفي بعدها في الرمال .
نظر إلى درويش وعلامات الفزع والارتياح ظهرت مختلطة على محياة ثم خاطبني قائلا : هاهي الفتاة المسكينة .
ووقفنا مدة من الزمن ننظر إلى هيكل تلك الفتاة المسكينة …ثم خرج درويش من الكوخ وراح يجلس مهموما عند حافة الماء وبحركة لا إرادية اخذ يقذف ببعض الحجارة الصغيرة بعيدا في الماء …وخرجت وأنا أحس بحزن عميق يبتر أحشائي ودنوت منه فرأيت الدموع تترقرق في عينية ثم بدا يحدثني بصوت متقطع باك : هل تصلي يا محمود ؟
فاجبته وأنا أتطلع إلى الموجات الدائرية التي أحدثها أحد الحجارة المنطلقة من يده من قبل : نعم ولكن صلاة الميت تختلف يا درويش . فأجابني بلهجة عصبية : العمل بالنيات يا محمود . فقلت له بشيء من الشك والحذر . أتقصد أننا نصلي على الميت صلاة عاديه ؟ نعم اقصد ذلك تماما … وبعدها نقوم بإبلاغ الشرطة . قلت سنعمل ما يطيب لك يا درويش .
وقف رجال الشرطة حول الحفرة ينظرون إلى داخلها نحو الجثة وفي وسط جو رهيب من السكون . وتقدم الضابط نحو درويش يربت على كتفه أسفا … وتمت الإجراءات اللازمة … ورفعت الجثة من مكانها وعادت سيارات الشرطة أدراجها نحو المدينة . ولكن درويش أبى إلا أن ننتظر ليلة أخرى كي يكشف صدق كلامي بنفسه . ومرت الليلة الخامسة عشر من الشهر القمري دون أن نرى شيئا . وفي الأيام التالية تردد درويش على مخفر الشرطة للتحقيق معه في الأمر …فعرف أن الجريمة وقعت قبل تسع سنوات ولم يكشف النقاب عن الجناة حتى الانتهاء من كتابة هذه القصة التي طلب مني محمود تدوينها …. انتهت القصة
الكاتب : قاسم خضر قاسم
الكويت 1978م
أظن أننا بحاجة إلى أن نشرب الشاي …ابق أنت في فراشك وسأذهب لاعده بنفسي .نظرت من شباك الشاليه لارى الكوخ العجوز يجثم على رمال الشاطئ في الضفة الأخرى ومن أمامه ظهرت الصخور الصماء وقد تكدست حول بعضها …وجلست فترة طويلة أتفرس في باب الكوخ علني أرى تلك الجنية الجميلة مرة أخرى …دخل صاحبي وقد حمل صينية عليها قليل من البسكويت وكوبان من الشاي وسر حينما راني اطل من الشباك نحو الكوخ . فقال وهو يضع الصينية على الفراش . لقد أصابتك الهستيريا الليلة الماضية يا محمود …وسهرت ابلل الخرق وامسح بها على وجهك .
ثم نظرت إليه وسألته متلهفا : اخبرني بالله عليك هل تتكررالماساة في كل ليلة؟ لا يا محمود …إنها تتكرر ثلاث ليال في كل شهر قمري وبالتحديد فان تلك الأشباح تظهر في الليلة الثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة من الشهر القمري ، حينما يرتفع القمر .
وقطعت كلامه في الحال : الثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة من الشهر القمري …انتظر ..لكن اليوم هو الرابع عشر من شهر رجب . فمعنى ذلك أنها ستظهر حتما هذه الليلة كذلك
ورد درويش وهو يبتسم : نعم يا محمود . وهل ستعقد العزم على المكوث معي هذه الليلة ؟ وصرخت في وجهه غاضبا وقلت له :
كلا يا درويش ألا ترى أن الفتاة المسكينة تتعذب ثلاث مرات في الشهر الواحد ؟ وتحسر صاحبي وغير مجرى الحديث وقال بصوت هادئ :
أتذكر يا محمود ذلك اليوم الذي جاء فيه رجال الأمن يبحثون عن الجثة المزعومة ورجعوا بعد أن خابت آمالهم .؟ لقد شعرت وقتها بذنب لم اغفره لنفسي حتى أتحقق من أمري…. لم اكن واهما ولا حالما وعدت إلى الشاليه وصرت اجلس الساعات الطويلة أراقب ذلك الكوخ من هذا المكان حتى جاء اليوم الثالث عشر من أيام أحد الأشهر القمرية ورأيت كل شيء يتكرر أمام ناظري ثم تلاه اليوم الرابع والخامس عشر ليعود الحدث من جديد وتأتى الأيام التالية ويختفي فيه كل شيء ويبقى الكوخ ساكنا .
وسالت درويش بشيء من الدهشة : ولكن لم يلفت المشهد الإجرامي هذا نظر أحد غيرنا . وهناك الكثيرون من
الأهالي الذين يامون شاليهاتهم في بعض الليالي المقمرة ؟
اعتقد إن كلامك هذا فيه شيء من الصحة يا محمود لأنني منذ لازمت هذا المكان تبين أن أصحاب الشاليهات لا يتوافدون إليها إلا في بعض أيام الخميس والجمع …. وفي ليلة مقمرة واحدة فقط شاهدت بعض النسوة من شاليهات آل العبد اللطيف يطفن على الساحل من أمام ذلك الكوخ في نفس الوقت الذي كانت فيه الجنيه تنطلق بخفة ورشاقة نحو البحر وخرجت من وسطهن دون أن يراها أي من النسوة وفي أثناء ذلك الوقت كذلك كانت أصوات الدفوف تعتلي في السماء إلا أن النسوة لم تبد للأمر أي اهتمام لأنها لم تكن تسمع شيئا . وتناول صاحبي قطة من البسكويت ودسها في كوب الشاي ثم قضم جزءا منها وتابع حديثه: ولا اخفي عليك يا محمود بان النسوة جلسن يتسامرن في مكان قريب من مكان الجريمة وخرجت الفتاة الجنية من الماء وطافت من أمامهن دون أن تشعر بها واحدة منهن . ومكثت النسوة قرب الشاطئ مدة من الزمن بينما كان الرقص على اشده في الكوخ وتمت الجريمة النكراء على مقربة منهن ولكن الغشاوة كانت تستر عيونهن على الدوام .
وحينما سمعت هذا الكلام قمت من مكاني فجأة و أمسكت بيد درويش ورحت اعصر اصابعة على راحة يده وصحت به قائلا : ألا ترى أن الفتاه تستنجد بك يا درويش …بل أنها تستنجد بنا نحن الاثنين وإلا لم باتت تخرج من أمامك في كل مرة …ولم حجبت الرؤية بينها وبين تلك النسوة أو الناس الآخرين ….إنها تستغيث بنا يا درويش فلا ادري كيف نزلت بك إنسانيتك لتستلذ بطعم جريمة راحت ضحيتها فتاة مسكينه وكيف تطيق الجلوس متفرجا عليها …. إنها في حاجة ماسة إلينا يا درويش .
ورد علي درويش بشيء من الشك والحيرة:
ولكن كيف ! واجبتة بلهجة عصبية ويدي ما زالت تطبق على اصابعة . ثم أشرت نحو الكوخ الذي ظهر واضحا من خلال زجاج نافذة الشاليه :
أتعلم يا درويش بأنني بدأت اعتقد أن هناك جريمة قتل حقيقية وقعت في ذلك الكوخ وراحت ضحيتها تلك الفتاة وفي ليلة مقمرة بالذات . ولقد شاهدنا تفاصيل الجريمة كما وقعت فعلا …ولكن بقي شيء واحد يا درويش . ونظر إلى درويش بعد أن ازداد عجبه وحيرته وقال : ماذا بقي يا محمود ؟
بقى أن نبحث عن الجثة . واعتقد أنها ما زالت مدفونة في ذلك الكوخ . وتفوه درويش ببطء وبشيء من عدم الراحة :
أتقصد ……وقطعت كلامة في الحال :
نعم اقصد أن الفتاة مدفونة وروحها ما زالت تحوم حول الجثة . فتريد هذه الروح أن تنطلق ولكنها باتت مقيدة في الوقت الحاضر .
وسكت قليلا ثم خاطبته بهدوء ورفق :
انظر يا درويش …لقد قرأت وكما تعلم الكثير عن الأرواح والأشباح وعلمت بان الروح التي أزهقت عمدا لا تفارق مكان الجثة حتى تغتسل الجثة هذه ويصلى عليها ثم تدفن كالمعتاد …. أؤكد لك يا صديقي بان الجثة ما زالت مدفونة في الكوخ وما علينا إلا أن ننبش رمال ارضيتة حتى نعثر عليها .
وسحبت صاحبي وقلت له وأنا في عجلة من أمري .
لانتظر إلي هكذا يا درويش ….هيا بنا …. وانطلقنا خارج الشاليه نبحث عن بعض أدوات الحفر .
تجولنا في الكوخ بضع ثوان وقررنا بعد ذلك أن نبدا الحفر في منتصف ارضيتة …ساد الصمت بيننا ولم نكد نسمع سوى صوت أدوات الحفر وهي تنغرس في الرمال وتخرج لتقذف بها بعيدا . وبعد مده حفرنا حفرة كبيرة في وسط الكوخ ورحنا ننبش قاعها وجوانبها ولم تمضي فترة طويلة حتى أحسست وكان الأداة تصطدم بشيء صلب داخل الرمال فألقيت الأداة خارج الحفرة ورحت انبش بيدي حول ذلك الشيء باهتمام وحذر . فتكشف عن عظمة بيضاء و أخبرت درويش بالأمر فجاء يزيح الرمال معي لنكشف عن المزيد من العظام المتراصة واستطعنا بعد جهد جهيد إزاحة الرمل كليه وظهرت أمامنا جثة إنسان . ونظرت إليها فرأيت الجلد يلتصق بالعظم في بعض أجزائها بينما بقيت أجزاء أخرى منها هيكلا عظميا ابيضا ، وفي منطقة الرأس شاهدنا كومة غزيرة من الشعر يتدلى من على قمة الجمجمة وينساب إلى أسفلها لتختفي بعدها في الرمال .
نظر إلى درويش وعلامات الفزع والارتياح ظهرت مختلطة على محياة ثم خاطبني قائلا : هاهي الفتاة المسكينة .
ووقفنا مدة من الزمن ننظر إلى هيكل تلك الفتاة المسكينة …ثم خرج درويش من الكوخ وراح يجلس مهموما عند حافة الماء وبحركة لا إرادية اخذ يقذف ببعض الحجارة الصغيرة بعيدا في الماء …وخرجت وأنا أحس بحزن عميق يبتر أحشائي ودنوت منه فرأيت الدموع تترقرق في عينية ثم بدا يحدثني بصوت متقطع باك : هل تصلي يا محمود ؟
فاجبته وأنا أتطلع إلى الموجات الدائرية التي أحدثها أحد الحجارة المنطلقة من يده من قبل : نعم ولكن صلاة الميت تختلف يا درويش . فأجابني بلهجة عصبية : العمل بالنيات يا محمود . فقلت له بشيء من الشك والحذر . أتقصد أننا نصلي على الميت صلاة عاديه ؟ نعم اقصد ذلك تماما … وبعدها نقوم بإبلاغ الشرطة . قلت سنعمل ما يطيب لك يا درويش .
وقف رجال الشرطة حول الحفرة ينظرون إلى داخلها نحو الجثة وفي وسط جو رهيب من السكون . وتقدم الضابط نحو درويش يربت على كتفه أسفا … وتمت الإجراءات اللازمة … ورفعت الجثة من مكانها وعادت سيارات الشرطة أدراجها نحو المدينة . ولكن درويش أبى إلا أن ننتظر ليلة أخرى كي يكشف صدق كلامي بنفسه . ومرت الليلة الخامسة عشر من الشهر القمري دون أن نرى شيئا . وفي الأيام التالية تردد درويش على مخفر الشرطة للتحقيق معه في الأمر …فعرف أن الجريمة وقعت قبل تسع سنوات ولم يكشف النقاب عن الجناة حتى الانتهاء من كتابة هذه القصة التي طلب مني محمود تدوينها …. انتهت القصة
الكاتب : قاسم خضر قاسم
الكويت 1978م