المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الخياطة......لعبدالله السعد


الهادية
17-07-2005, 10:14 AM
الخياطة


كان ضجيج الآلات يصم الآذان.. والوجوه التي تحولت إلى قطع من الخشب ينظر لمكان واحد دون أن تتغير ملامحه.. الحاجب المعقود.. والعضلات المشدودة.. ولمحة تعب ممتزجة بألم تظهر بين فترة وفترة وفي الزاوية البعيدة وقفت المراقبة ماجدة ذات الوجه الصارم والخمسين خريفاً تراقب البنات وهن يعملن على مئات الآلات.
كان المصنع قديماً بنته الحكومة لأعمال الحديد، ومع الحرب وتغير الحياة قلت الأعمال التي يقوم بها المصنع، وتحول جزء منه إلى استثمار وفيه أقيمت مصانع الخياطة هذه. موفرة بذلك فرصة عمل للقرويين الذين يريدون أن يحيون حياة أقرب إلى حياة البشر.. ولكن لم تكن توفر لهم غرفاً للسكن ولذلك كان البعض يضطر لاستئجار غرفة في منزل قريب إن وجد أو يرضى بأي منزل ويتحمل في سبيل ذلك المطر والثلوج في ليالي الشتاء.
وعرفت ماجدة بشدتها بين العاملات، ولذلك أُوكِلَتْ إليها إدارة المصنع المراقبة، وبالفعل نجحت في بث جو من الرعب بين الفتيات حتى عرفت بقسوتها بينهم، لم تكن ماجدة تعرف من الدنيا إلا معان القسوة والتوفير.. وبدا هذا النهج واضحاً حتى في مشاعرها الجافة وملامحها القاسية.
كان من ضمن العاملات فتاة في الثانية والعشرين من العمر عرفت معنى الشقاء في سن مبكرة.. وجاءت إلى هذا المصنع كما جاء غيرها من الفتيات، ولكنها زادت عليهم بشيماء الطفلة ذات الربيعين. ورأت أن تستقر في هذه المنطقة البعيدة بمصنعها الصخري الصاخب، علها تجد في أحجاره بعضاً من العطف الذي فقدته في حياتها. وألفت عين ماء قريبة من الغرفة التي استأجرتها، ومجموعة من الطيور الصغيرة تقف قريباً منها تلتقط الفتات الذي تلقيه حنان لهم كل صباح قبل أن تذهب إلى عملها.
بدأ فصل الصيف بطول نهاره وشدة الحرارة.. وكانت حنان قد أنست لزميلة لها تعيش ظروفاً مقاربة لظروفها إلا أن لها أسرة تذكرها بين فترة وفترة بزيارة، ومع قلة هذه الزيارات وسرعة انقضائها إلا أنها تشعرها بقرب أسرتها.. أو على الأقل هي تلك الرغبة التي تشعرنا بالأنس في وجود أسرتنا ومن نحب من حولنا.
من الذي يستحق البكاء؟ أهم أولئك أصحاب القلوب القاسية والمشاعر الجافة، أم هؤلاء البسطاء في أسمالهم النظيفة، يبتغون شظفاً من العيش يقيم أودهم؟ مع بقاء نقاء قلوبهم وصفاء أرواحهم.
كثيرة هي المعاني التي انتكست في حياتنا.. وتغيرت فلم نعد نميز.. نظن أننا نقيم واقعنا بمنطق وعقل، ولا ندري أن أعرافنا هي من صنع أيدينا.. وأن مبادئنا شيء لم يكن موجود إلا يوم بدأنا في التفكير.. وصورة حنان تلاعب شيماء تجعل كل قلب ينبض يفكر في جذور هذه الأسرة، من أين جاءوا.. وأين البقية.. وإلى أين ستنتهي بهم الحياة في عالم قاس لا يعرف من الرحمة إلا اسماً يرتبط بالمناسبات.
بجوار المصنع كان منزل سعد.. هو من أهل القرية ولكنه عاش شبه يتيم إلى فترة متقدمة من سن طفولته.. ثم تيتم بعد ذلك ليكمل المشوار مع أم لم تلبث أن تلحق بزوجها فجأة تاركة وحيدها يقاسي الألم دون أن يعي معنى الرحيل. وفي ظرف أيام فقط كان أعمامه قد تقاسموا كل شيء وتركوا له منزلاً في حدود القرية كان أباه قد جعله لعابري السبيل ثم أهمل بعد وفاته.
أصلح سعد ما استطاع من شأن المنزل.. وحاول الاعتناء بالحديقة قدر استطاعته، ثم تمكن من الحصول على عمل يدر عليه دخلاً بسيطاً.. ومنه اشترى بعض الغنيمات ينتفع بهن وهكذا بدأت حياته تترتب. ولكن بقي الحنين للأسرة يشغل ذهنه.. ولفقره لم يفكر بالتقدم لأي فتاة من القرية.. ولكن إلحاح الفطرة في نفسه الغضة أوحت إليه بالتقدم لأي من عاملات المصنع ولسيرة حنان الطيبة عزم على خطبتها.
أرسل سعد لجارته أم محمد وهي امرأة كبيرة جاورت أسرته زمناً طويلاً ولعب أبنائها مع أبيه وأحفادها معه.. يخبرها عن رغبته في الزواج من حنان.. وكانت أم محمد ترى نفسها في مقام الأم والجدة لسعد فرحبت بذلك الأمر كثيراً.. ولكنها تذكرت شيماء فأثار هذا الأمر نظرات إلى الماضي، وحاولت أن تبحث عن حنان في أستاره أكثر علها تعرف تاريخها.. وبالفعل علمت بأنها يتيمة زوجها عمها من رجل ثري طمعاً في المال وكان ثمرة هذا الزواج شيماء.. ولكن الضرب والاحتقار أنهوا العلاقة الزوجية حتى قبل أن تأتي شيماء.. ولم يقبلها عمها بعد ذلك في بيته فاضطرت إلى الرحيل من أجل العيش في كرامة.. وكان استقرارها هنا في هذه البلاد.
ولم تضع وقتاً ففاتحتها في الأمر وترددت حنان في البداية.. ولكن الرغبة في الاستقرار والشعور بالحاجة إلى الرجل دفعتها إلى الموافقة آملةً أن تجد في سعد ما يعوضها عن الشقاء الذي رأته في حياتها.
تم عقد القران.. واتفق الجميع أن يكون الزواج بعد شهرين ريثما يتم للجميع الاستعداد وبدأت نسمات من السعادة تملأ حياة قلبين.. وانشغل الزوجين في الترتيب لليوم المنتظر.
في المصنع كانت ماجدة ترى وتسمع وتشعر بالغيرة تأكل قلبها.. كيف أن هذه الغريبة توفق للزواج قبلها وهي التي لم تتم السنة في هذه المنطقة.. وكانت تنسج في الخفاء خيوط حقدها علها تصيب بعضاً مما أصابت حنان.. أو علها تسبب لها ما يمنع عنها الخير الذي ستقدم عليه. فأوصلت للإدارة مكيدة مفادها أن قصة حب كانت قد تمت بين الزوجين قبل عقد القران.. وهذا من شأنه أن يسبب سمعة سيئة للمصنع وعاملاته.. وبالفعل اتخذت الإدارة إجراءاتها وقامت ودون تثبت بفصل حنان من عملها.
انقضى الشهر الأول وفيه من التعب ما فيه.. وبدأ العد التنازلي للقاء.. مر أسبوع وأسبوع.. واضطر سعد للذهاب إلى المدينة لإحضار بعض الأشياء الضرورية للمنزل.. هيأ غرفة الصغيرة.. حاولت حنان أن تثنيه عن الذهاب كانت قلقة عليه.. ولكنه أصر وطمأنها.
لليل رواق على القلوب نشعر به.. يبسط نفسه فيورث أنساً وسكينة.. وهذه البقعة من الأرض تحكي أن أرواحاً طاهرة سارت عليها.. مر على قصتنا هذه خمسة عشر سنة.. لم يعد سعد، فقد رحل للقضاء.. عاشت حنان وابنتها هنا.. وفي المنزل القديم استقرت هذه الأسرة الطيبة.. ومن الأرض و الغنيمات انتعشت أرواح.. وافتقدت الحب من البشر، لتجده في النجوم والسماء والأشجار.
عبدالله السعد

azizdoha
17-07-2005, 02:22 PM
الهادية الصراحه قصصج كلها روعة تحياتي لج

الهادية
17-07-2005, 02:51 PM
عزيز الدوحة
تسلم للحضور والمشاركة والاستحسان بعد
تشكرات