الهادية
20-07-2005, 01:41 AM
كنت أتأمل وجهها الذي أذوب به بطرف عيني وانعكاس اللون الأحمر لقميصها على وجنتيها النضرتين، أعرف أنها لا تحب إغداق مشاعري عليها، تزجرني بغنج حين أكشف لها عن حبي اللامحدود. حب أكبر من حب أم لطفلتها. حب مركب راسخ يشبه شجرة عملاقة تمد جذوراً عميقة ومتشعبة في قلبي. أكثر ما أحبه في ابنتي التي لم تكمل السابعة عشرة، قدرتها على ضبط أعصابها، لم أرها يوما تفقد السيطرة على نفسها، يذهلني تماسكها. كانت متفوقة في دراستها رغم صغر سنها بالنسبة لزميلاتها. قضينا شهرين عصيبين تحضيراً لفحص الشهادة الثانوية، هي تدرس بكل طاقة ذهنها المتفتح للمعرفة وأنا أحوم حولها كملاكها الحارس. وبعد كل فحص في إحدى المواد كنت انتظرها عند باب المدرسة بقلب أحسه ينبض بقوة الحب، أبحث عن وجهها المحفور في شبكية عيني وفي قلبي وما أن أميزها من بعيد بين مئات الوجوه، حتى أنتفض رغماً عني وأناديها بلهفة أركض باتجاهها، فتسرع خطاها، أضمها، تطمئنني ابتسامتها الواثقة أن امتحانها جيد.
تأملت بريق الفرح في عينيها رغم أنها لم تعلق بكلمة، كنت أعرف أنها تحب أن أتدفق بكلامي أمامها، تحب ثرثرتي، تطلبها صراحة أحياناً: هيا سليني بما عندك من قصص وأخبار. عندها أنتفخ سعادة وأتدفق كلاماً أعرف كم يبهجها ويضحكها ولا أشعر أني أغشها حين أختلق مواقف كثيرة وأحاديث لم تحصل في الواقع وحين أبلغ غايتي وأتأملها ضاحكة وسعيدة من كل قلبها تتجمد نظرتي على وجهها لبرهة. نظرة تعني: ماما تذوب بك. حدثت صديقاتها بتباه عن رحلة بيروت، سمعتها تقول لصديقتها: ماما تعرف بيروت عن ظهر قلب ولديها أصدقاء كثيرون، وسنحضر أوبرا عايدة في صور، ياه.. في حياتي لم أحضر أوبرا.
عرفت عمق فرحها بالسفر إلى بيروت حين حدثتني عن كل ما قرأته عن أوبرا عايدة في الإنترنت. وطوال ساعة المشي المسائي التي كنا نمارسها معاً، تحدثنا بحماسة وفرح عما سنفعله في الأيام الخمسة التي سنقضيها في بيروت، غمزتها وطمأنتها أني جمعت مالاً وفيراً للرحلة، ابتسمت بخجل، قالت: وأنا أيضاً معي مال لا بأس به لأني لم أصرف شيئاً طوال أشهر الاستعداد للفحص.
أم وابنة، هذه هي أسرتي الثنائية، أسرة سعيدة مكتفية بالحب العميق المترسخ بيننا، لسنا بحاجة لشبح رجل مر كطيف شاحب في حياتنا وترك ندبة كتلك الندبة البشعة التي تتركها طعنة سكين.
سألتني ليلة سفرنا: ماما... هل تكفي حقيبة واحدة لأغراضنا؟!..
بالتأكيد يا حبيبتي، رجوتها ألا تأخذ معها الكثير من الثياب لأنني سأشتري لها أشياء جميلة من بيروت.
لكني راقبتها كيف تنتقي أجمل ثيابها وأبهى حليها التقليدية وترتبها بعناية في الشنطة، طلت أظافرها بعناية، وأنا لا أنفك أتأملها بوله دون أن تنتبه مرددة لنفسي بنشوة المنتصر: ندى سعيدة.
قلت لها: هيا يجب ان ننام باكراً، لأن السائق سيمر بنا السادسة صباحاً.
ردت متململة: لا استطيع النوم باكرا، تعرفين ذلك يا ماما..
لم أستطع أن أغفو تلك الليلة، كنت بحالة نفاذ صبر، أنتظر الفجر لأتفرج على ندى كم ستفرح بسفرها إلى بيروت.
ما أطول هذا الليل، ندى غافية، ألمح رفيف أحلامها من الحركة الطفيفة لأهدابها، تدمع عيناي وجداً وأنا أتذكرها صغيرة والآن غدت صبية متفتحة للحياة كبرعم وردة. تفتح عينيها الناعستين وتسألني كم الساعة؟ أقول لها بصوت ذاب شوقاً لشق حنجرتي والتحدث إليها: هيا اقفزي من سريرك بعد ربع ساعة سيمر بنا السائق.
ابتسمت وأنا أراها تعقد خلخالها الفضي الرفيع حول رسغ قدمها، قدمتها للسائق اللطيف الذي اعتدت السفر معه بتفاخر: كأني أقول له، هذه الصبية الحلوة الذكية المتفوقة ـ امتدادي ـ إنجازي الأهم في الحياة، زجرتني بلطف فهي تكره أن أتباهى بها. كان النعاس يرخي ثقله على أجفانها، تقاومه، طلبت منها أن تغفو حتى نصل إلى الحدود، لكنها رفضت. سألتها: ندى ألا تشعرين أن للفجر رائحة؟!
ابتسمت: أية رائحة؟..
قلت: رائحة الأمل
ضحكت: ماما، أنت مضحكة لشد ما أنت رومانسية.
وددت لو أقول لها: انها جعلتني شاعرة من كثرة ما لونني حبها وفتح أمامي آفاقاً وفضاءات أحاسيس غنية وعجيبة، لكني آثرت السكوت لأنها لا تحب الحديث صباحاً. وصلنا إلى الحاجز الحدودي، طلب السائق الهويات من الركاب، مددت له هويتي وهوية ابنتي، ليس من عادته أن يغيب طويلاً داخل المبنى، انتبهت أنه يلوح لي أن ألحقه وابنتي.
ترجلنا من السيارة، فكرت أن ضابط الأمن يرغب برؤية ابنتي بما أنها تسافر للمرة الأولى، لكن الضابط اللطيف فاجأنا أن هناك قراراً بمنع ابنتي من مغادرة البلد بأمر خطي من والدها.
للوهلة الأولى أدهشتني كلمة والد، ارتطمت الكلمة بأذني وارتدت، لفظتها بعيداً، كما لو أنني اكتشفت أن الثمرة التي وضعتها في فمي فاسدة. هل قال والد؟!!... أي وهم هذا!!... ندى بلا أب. والدها في أميركا منذ خمسة عشر عاماً يبحث عن سعادة وهمية وثراء مادي مفضلا إفراغ روحه وملء جيوبه.
لم أجرؤ أن أنظر في وجه ابنتي، كنت عاجزة عن تحمل خيبة العينين العسليتين المشرقتين بالأمل والذكاء دوماً، ياه كم أنا جبانة!... ألا تستحق ابنتي نظرة اهتمام وتعاطف من قلبي؟!..
كيف جف حلقي بلحظة والتصق لساني بسقف حلقي، قلت لضابط الأمن: لكني مسؤولة عنها، فلا والد لها.
قال الضابط بلطف وتعاطف: أنا آسف، لا أستطيع السماح لابنتك بعبور الحدود إلى لبنان، فأمر والدها بمنعها من السفر واضح.
للمرة الثانية لم أجرؤ على النظر في وجه ابنتي، لكني أحسست أننا نتخاطب بطريقة غريبة، إذ نشعر أن ثمة إشعاعات تصدر من داخلنا، تجعل كلاً منا تفهم ما تحس الأخرى. فجأة استدارت عيناي كما لو أن قوة مغناطيسية خفية جذبتهما وحدقت في وجه فلذتي الصغيرة، شهقت، كأني أراها للمرة الأولى، للحظة مرت أمامي كل التفاصيل الصغيرة والمبهجة للتحضير للسفر، الحقيبة المنتفخة بالأمل لا تزال في السيارة تنتظر أن تعبر الحدود، يبدو أن تعبير وجهي المروع أثار تعاطفاً قوياً لدى ضابط الأمن، فطلب لي قهوة وكوب ماء ورجاني أن أهدأ، وجدتني أبحلق به كأني أرفض أن أصدق ما يحصل وأقول له بصوت جاف: لا أصدق أنه صوتي لو لم يصدر عن حنجرتي: حضرة الضابط، أنا طبيبة وكاتبة.
ابتسم ابتسامة متعاطفة وفيها شيء من شفقة لم ينجح في إخفائها: أحدق في وجه ندى الصافي، فأشعر أن سياط ألم خفي تلهب جذعي، أهمس باسمها بإلحاح كما لو أنه تعويذة ستقيني حتماً من الجنون أو الانفجار..
ندى.. ندى.. فجأة انتفضت ندى وتقدمت من الضابط، قالت له بصوت ثابت: أمي مسؤولة عني.. صمت، سمعت تتمة كلامها الصامت: فأنا ليس لي أب، لأ أعرف أبي. ابتسم الضابط لها وقال متأسفاً: لا أملك السلطة بالسماح لك بالسفر.
فكرت أن ندى لن تستمتع بالمفاجأة التي حضرتها لها بالاتفاق مع أصدقائي في بيروت، كنا سنقيم احتفالاً على شرفها وسيكون في وسط الطاولة قالب حلوى كبير مكتوب عليه بالشوكولا Great Nada (ندى العظيمة).
بصعوبة حبست السر فأنا لا أستطيع أن أخفي أي شيء عنها. لم أنتبه أن ندى خرجت من الغرفة وعادت تحمل حقيبة أحلامنا الخائبة إلى أن ربتت على كتفي مواسية: بسيطة يا ماما أنا لست زعلانة.
منطوية على ألمي وانكساري، أجلس في المقعد الوثير في غرفة الضابط منتظرة حدثاً خارقاً منتظرة أن يكون كل ما حصل مجرد مزاح ثقيل، وبأن الضابط سينفجر ضاحكاً ويغمز ندى المتواطئة معه ويقول: هيا إلى بيروت.
ندى بجانبي تدعمني وتتأبط ذراعي لنقف بانتظار سيارة تعود بنا إلى اللاذقية، الغصن البض يدعم الشجرة ويمنعها من الانهيار. وجدتني أقبل يدي ابنتي ورغم أنني كنت ملتاعة من الألم أمكنني أن أفكر بالظلم الكبير الذي تعانيه المرأة حين يتمكن زوج يهجرها من التحكم بمصيرها ومصير أولادها كما لو أنه يملك جهاز ريموت كونترول.
وضعت ندى الحقيبة أمامنا في باص بائس سيعود بنا خائبتين، لم يطلق صدرها آهة ألم ولا تنهدة، كانت تبتسم ابتسامة أشد حيرة من ابتسامة الجوكندا.
طوال الطريق كنت اتأمل وجهها بالمرآة الأمامية للسيارة فيدهشني صفاؤه النابع من أعماق طاهرة محبة للعالم وأشعر أني أنهل من هذا الهدوء والحزن المصفى.
ندى.. ندى..... همست باسمها مراراً، وانفلت الصوت من حنجرتي المختنقة بالقهر، فاستدارت نحوي متسائلة: ماذا؟!...
تهدج صوتي وانفجرت الدموع من عيني، قلت بصوت يتمزق: حقاً أنت Great Nada.
تأملت بريق الفرح في عينيها رغم أنها لم تعلق بكلمة، كنت أعرف أنها تحب أن أتدفق بكلامي أمامها، تحب ثرثرتي، تطلبها صراحة أحياناً: هيا سليني بما عندك من قصص وأخبار. عندها أنتفخ سعادة وأتدفق كلاماً أعرف كم يبهجها ويضحكها ولا أشعر أني أغشها حين أختلق مواقف كثيرة وأحاديث لم تحصل في الواقع وحين أبلغ غايتي وأتأملها ضاحكة وسعيدة من كل قلبها تتجمد نظرتي على وجهها لبرهة. نظرة تعني: ماما تذوب بك. حدثت صديقاتها بتباه عن رحلة بيروت، سمعتها تقول لصديقتها: ماما تعرف بيروت عن ظهر قلب ولديها أصدقاء كثيرون، وسنحضر أوبرا عايدة في صور، ياه.. في حياتي لم أحضر أوبرا.
عرفت عمق فرحها بالسفر إلى بيروت حين حدثتني عن كل ما قرأته عن أوبرا عايدة في الإنترنت. وطوال ساعة المشي المسائي التي كنا نمارسها معاً، تحدثنا بحماسة وفرح عما سنفعله في الأيام الخمسة التي سنقضيها في بيروت، غمزتها وطمأنتها أني جمعت مالاً وفيراً للرحلة، ابتسمت بخجل، قالت: وأنا أيضاً معي مال لا بأس به لأني لم أصرف شيئاً طوال أشهر الاستعداد للفحص.
أم وابنة، هذه هي أسرتي الثنائية، أسرة سعيدة مكتفية بالحب العميق المترسخ بيننا، لسنا بحاجة لشبح رجل مر كطيف شاحب في حياتنا وترك ندبة كتلك الندبة البشعة التي تتركها طعنة سكين.
سألتني ليلة سفرنا: ماما... هل تكفي حقيبة واحدة لأغراضنا؟!..
بالتأكيد يا حبيبتي، رجوتها ألا تأخذ معها الكثير من الثياب لأنني سأشتري لها أشياء جميلة من بيروت.
لكني راقبتها كيف تنتقي أجمل ثيابها وأبهى حليها التقليدية وترتبها بعناية في الشنطة، طلت أظافرها بعناية، وأنا لا أنفك أتأملها بوله دون أن تنتبه مرددة لنفسي بنشوة المنتصر: ندى سعيدة.
قلت لها: هيا يجب ان ننام باكراً، لأن السائق سيمر بنا السادسة صباحاً.
ردت متململة: لا استطيع النوم باكرا، تعرفين ذلك يا ماما..
لم أستطع أن أغفو تلك الليلة، كنت بحالة نفاذ صبر، أنتظر الفجر لأتفرج على ندى كم ستفرح بسفرها إلى بيروت.
ما أطول هذا الليل، ندى غافية، ألمح رفيف أحلامها من الحركة الطفيفة لأهدابها، تدمع عيناي وجداً وأنا أتذكرها صغيرة والآن غدت صبية متفتحة للحياة كبرعم وردة. تفتح عينيها الناعستين وتسألني كم الساعة؟ أقول لها بصوت ذاب شوقاً لشق حنجرتي والتحدث إليها: هيا اقفزي من سريرك بعد ربع ساعة سيمر بنا السائق.
ابتسمت وأنا أراها تعقد خلخالها الفضي الرفيع حول رسغ قدمها، قدمتها للسائق اللطيف الذي اعتدت السفر معه بتفاخر: كأني أقول له، هذه الصبية الحلوة الذكية المتفوقة ـ امتدادي ـ إنجازي الأهم في الحياة، زجرتني بلطف فهي تكره أن أتباهى بها. كان النعاس يرخي ثقله على أجفانها، تقاومه، طلبت منها أن تغفو حتى نصل إلى الحدود، لكنها رفضت. سألتها: ندى ألا تشعرين أن للفجر رائحة؟!
ابتسمت: أية رائحة؟..
قلت: رائحة الأمل
ضحكت: ماما، أنت مضحكة لشد ما أنت رومانسية.
وددت لو أقول لها: انها جعلتني شاعرة من كثرة ما لونني حبها وفتح أمامي آفاقاً وفضاءات أحاسيس غنية وعجيبة، لكني آثرت السكوت لأنها لا تحب الحديث صباحاً. وصلنا إلى الحاجز الحدودي، طلب السائق الهويات من الركاب، مددت له هويتي وهوية ابنتي، ليس من عادته أن يغيب طويلاً داخل المبنى، انتبهت أنه يلوح لي أن ألحقه وابنتي.
ترجلنا من السيارة، فكرت أن ضابط الأمن يرغب برؤية ابنتي بما أنها تسافر للمرة الأولى، لكن الضابط اللطيف فاجأنا أن هناك قراراً بمنع ابنتي من مغادرة البلد بأمر خطي من والدها.
للوهلة الأولى أدهشتني كلمة والد، ارتطمت الكلمة بأذني وارتدت، لفظتها بعيداً، كما لو أنني اكتشفت أن الثمرة التي وضعتها في فمي فاسدة. هل قال والد؟!!... أي وهم هذا!!... ندى بلا أب. والدها في أميركا منذ خمسة عشر عاماً يبحث عن سعادة وهمية وثراء مادي مفضلا إفراغ روحه وملء جيوبه.
لم أجرؤ أن أنظر في وجه ابنتي، كنت عاجزة عن تحمل خيبة العينين العسليتين المشرقتين بالأمل والذكاء دوماً، ياه كم أنا جبانة!... ألا تستحق ابنتي نظرة اهتمام وتعاطف من قلبي؟!..
كيف جف حلقي بلحظة والتصق لساني بسقف حلقي، قلت لضابط الأمن: لكني مسؤولة عنها، فلا والد لها.
قال الضابط بلطف وتعاطف: أنا آسف، لا أستطيع السماح لابنتك بعبور الحدود إلى لبنان، فأمر والدها بمنعها من السفر واضح.
للمرة الثانية لم أجرؤ على النظر في وجه ابنتي، لكني أحسست أننا نتخاطب بطريقة غريبة، إذ نشعر أن ثمة إشعاعات تصدر من داخلنا، تجعل كلاً منا تفهم ما تحس الأخرى. فجأة استدارت عيناي كما لو أن قوة مغناطيسية خفية جذبتهما وحدقت في وجه فلذتي الصغيرة، شهقت، كأني أراها للمرة الأولى، للحظة مرت أمامي كل التفاصيل الصغيرة والمبهجة للتحضير للسفر، الحقيبة المنتفخة بالأمل لا تزال في السيارة تنتظر أن تعبر الحدود، يبدو أن تعبير وجهي المروع أثار تعاطفاً قوياً لدى ضابط الأمن، فطلب لي قهوة وكوب ماء ورجاني أن أهدأ، وجدتني أبحلق به كأني أرفض أن أصدق ما يحصل وأقول له بصوت جاف: لا أصدق أنه صوتي لو لم يصدر عن حنجرتي: حضرة الضابط، أنا طبيبة وكاتبة.
ابتسم ابتسامة متعاطفة وفيها شيء من شفقة لم ينجح في إخفائها: أحدق في وجه ندى الصافي، فأشعر أن سياط ألم خفي تلهب جذعي، أهمس باسمها بإلحاح كما لو أنه تعويذة ستقيني حتماً من الجنون أو الانفجار..
ندى.. ندى.. فجأة انتفضت ندى وتقدمت من الضابط، قالت له بصوت ثابت: أمي مسؤولة عني.. صمت، سمعت تتمة كلامها الصامت: فأنا ليس لي أب، لأ أعرف أبي. ابتسم الضابط لها وقال متأسفاً: لا أملك السلطة بالسماح لك بالسفر.
فكرت أن ندى لن تستمتع بالمفاجأة التي حضرتها لها بالاتفاق مع أصدقائي في بيروت، كنا سنقيم احتفالاً على شرفها وسيكون في وسط الطاولة قالب حلوى كبير مكتوب عليه بالشوكولا Great Nada (ندى العظيمة).
بصعوبة حبست السر فأنا لا أستطيع أن أخفي أي شيء عنها. لم أنتبه أن ندى خرجت من الغرفة وعادت تحمل حقيبة أحلامنا الخائبة إلى أن ربتت على كتفي مواسية: بسيطة يا ماما أنا لست زعلانة.
منطوية على ألمي وانكساري، أجلس في المقعد الوثير في غرفة الضابط منتظرة حدثاً خارقاً منتظرة أن يكون كل ما حصل مجرد مزاح ثقيل، وبأن الضابط سينفجر ضاحكاً ويغمز ندى المتواطئة معه ويقول: هيا إلى بيروت.
ندى بجانبي تدعمني وتتأبط ذراعي لنقف بانتظار سيارة تعود بنا إلى اللاذقية، الغصن البض يدعم الشجرة ويمنعها من الانهيار. وجدتني أقبل يدي ابنتي ورغم أنني كنت ملتاعة من الألم أمكنني أن أفكر بالظلم الكبير الذي تعانيه المرأة حين يتمكن زوج يهجرها من التحكم بمصيرها ومصير أولادها كما لو أنه يملك جهاز ريموت كونترول.
وضعت ندى الحقيبة أمامنا في باص بائس سيعود بنا خائبتين، لم يطلق صدرها آهة ألم ولا تنهدة، كانت تبتسم ابتسامة أشد حيرة من ابتسامة الجوكندا.
طوال الطريق كنت اتأمل وجهها بالمرآة الأمامية للسيارة فيدهشني صفاؤه النابع من أعماق طاهرة محبة للعالم وأشعر أني أنهل من هذا الهدوء والحزن المصفى.
ندى.. ندى..... همست باسمها مراراً، وانفلت الصوت من حنجرتي المختنقة بالقهر، فاستدارت نحوي متسائلة: ماذا؟!...
تهدج صوتي وانفجرت الدموع من عيني، قلت بصوت يتمزق: حقاً أنت Great Nada.